محمد متولي الشعراوي

2971

تفسير الشعراوى

إذن فالمؤمن يجب أن يوضح حركة قيامه وينميها ؛ بمعنى أن يجعل كل حركته للّه ؛ فإن كانت كل حركته للّه ، فاللّه سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا . والخاسرون هم الذين يعملون للناس ؛ لأن الناس لا يملكون لهم نفعا وربما تخلوا عنهم وربما أضمرت وحملت قلوبهم الضغن والحقد لمن أحسن إليهم ، وربما تحولوا إلى أعداء لهم ، فالمصنوع له الجميل قد يعطيه اللّه بعضا من الجاه ، وحين يلقى صانع الجميل بعد ذلك قد تتخاذل نفسه وتذل ، ونرى في بعض الأحيان واحدا يجلس بين الناس وقد أخذته العزة ، ثم يدخل عليه إنسان كان له فضل عليه ، وساعة يراه يكره وجوده في مجلسه ، ويتمنى ألا يحدث هذا اللقاء ، وإذا ما لقيه بعد ذلك في طريق فهو يشيح بوجهه ؛ لأن الذي صنع الجميل يسبب حرجا له ، ويجعل نفسه تتضعضع ، وهو يريد أن يستكبر على الناس . إذن فاللّه يوضح : اعملوا للّه ؛ لأنه لا يضيع عنده شئ . واعلموا أن اللّه رقيب عليكم ولن يضيع عمل عنده . وعندما سئل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - عن الإحسان قال : ( أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) « 1 » . أتستطيع أنت أيها الإنسان أن تصنع في إنسان آخر ما يسوؤه أمامه ؟ . أنت تسىء إلى الآخر من وراء ظهره . فلماذا إذن يسئ الواحد منكم إلى اللّه بالعصيان ، وهو الناظر إليكم جميعا ؟ إذن حين يريد الحق سبحانه وتعالى أن تحسن معاملة نفسك وغيرك فعليك أن تحتسب كل عمل لك عند اللّه . فقد سخر لنا الحق كل الوجود وأعطانا كل مقومات الحياة ، ويوضح لكل واحد منا : يا عبدي اجعل كل قيامك للّه ؛ ولا تكن قائما فقط ولكن كن قوّاما . . بمعنى أنه ما دامت فيك بقية من العافية للعمل فاعمل ، ولا تعمل على قدر حاجتك فقط ، ولكن اعمل على قدر طاقتك ؛ لأنك لو عملت على قدر حاجتك فإن الذي لا يقدر على العمل لن يجد ما يعيش به . إذن فاعمل على قدر طاقتك لتتسع حركتك للناس جميعا . ويكون الفائض من

--> ( 1 ) رواه البخاري . باب سؤال جبريل عن الإيمان بالإسلام والإحسان ، ورواه مسلم في كتاب الإيمان .